محمد بن أحمد بن إسحاق ابن يحيى الوشاء

19

الظرف والظرفاء

الفدامة وقلة الفهم . وللفلاسفة في ذلك قول يثبت ما أدعت العرب . وإذ كان العشق نوعا من الضنى والسهر والكتمان ، فلا بد من أن تكون نهاية أصحابه الموت « 39 » أو طلب الشهادة في الحب . وهنا يأتي الحديث المنسوب إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلم عن ابن عباس : من عشق فعف فمات فهو شهيد « 40 » . وحتى الذين قتلوا أنفسهم ، فلهم المسوغ الديني ، مع تحريم الاسلام قتل النفس ، حين يستعين الوشاء مجددا بابن عباس ، كما يلجأ إلى مرويات عن مالك بن أنس وسعيد بن المسيب وشريك القاضي . ونقطة أخيرة يعالجها الوشاء وهي تتعلق بالوفاء . فبعد أن يتحدث عن فساد الحب في عصره ، والتنقل من حبيب إلى حبيب ، يعود ليقرر أن الوفاء في الرجال والغدر في النساء . وهنا يورد قصصا في الوفاء والغدر ، إلّا أنه يصب جام غضبه على القيان اللاتي لا وفاء لهن ، وجلّ همهن اقتناص أموال عشاقهن . إن الشخصيات التي اختارها الوشاء في حديثه عن حالات الحب ودلالاته مؤلفة من نوعين : بعضها متصل بالأساطير والأوهام ، وبعضها شخصيات تاريخية . وهي لا بد كانت معروفة قبله ، ودون معظمها بعده أبو الفرج الأصفهاني في كتابه الأغاني . وبعض هذه الشخصيات أصبحت رموزا لقضايا طرحها في الحب . وتأتي عروضه في إطار أدب الخاصة وسلوكها . . والأهمية الرمزية لهذه الشخصيات أنها كانت موردا لمن عالج مسألة الحب الإلهي الذي كان الحب الانساني مدخلا ضروريا له . يقول ابن الدباغ « 41 » : « اعلم أن المحبة تأثيرها في النفوس الانسانية اللطافة والصفاء والرقة وسائر الأوصاف المكملة التي تستعد بها للعروج إلى الملأ الأعلى والاطلاع على أسرار عالم الغيب » .

--> ( 39 ) - وضع السراج كتابا في مصارع العشاق . ( 40 ) - هذا الحديث مثار جدال . انظر حوله : الوافي بالوفيات 3 : 60 في ترجمة محمد بن داود . وفي رأيي أن الأحاديث التي يرويها الأدباء تكتسب صفة خاصة والصنعة فيها بادية ، وهذا ينطبق على بعض الأحاديث التي يوردها الوشاء . ( 41 ) - مشارق أنوار القلوب 105 ، باعتناء رتّر ، دار صادر .